محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

183

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

قبل هذا ، قال في « لطائف المنن » : « وأشبه شيء بوجود الكائنات إذا نظرت إليها بعين البصيرة وجود الظلال ، والظلّ لا موجود ، باعتبار جميع مراتب الوجود . ولا معدوم باعتبار جميع مراتب العدم ، وإذا ثبتت ظلية الآثار لم تنسخ أحدية المؤثّر ؛ لأنّ الشيء إنما يشفع بمثله ، ويضم إلى شكله ، كذلك أيضا من شهد ظلية الآثار لم تعقه عن اللّه تعالى ؛ فإن ظلال الأشجار في الأنهار لا تعوق السفن عن التسيار . ومن هاهنا يتبين لك أيضا أن الحجاب ليس أمرا وجوديا بينك وبين اللّه ، ولو كان بينك وبينه حجاب وجودي للزم أن يكون أقرب إليك منه ، ولا شيء أقرب إليك من اللّه ، فرجعت حقيقة الحجاب إلى توهّم الحجاب ، فما حجبك عن اللّه وجود موجود معه ، وذلك كرجل بات في مكان وأراد البراز فسمع صوت الرياح من « كوّة » « 1 » هناك فظنّه زئير « 2 » أسد فمنعه ذلك عن البراز ، فلما أصبح لم يجد هناك أسدا ، وإنما هو الريح انضغط في تلك الكوّة ، فما حجبه وجود أسد ، وإنما حجبه توهّم الأسد . لولا ظهوره في المكونات ما وقع عليها وجود أبصار ، لو ظهرت صفاته اضمحلت مكوناته . ظهور الحق تعالى من وراء حجاب المكوّنات هو الذي أوجب ظهورها ووقوع الأبصار عليها ، ولولا وجود حجابيتها لم يقع عليها أبصار ، ولتلاشت ، لوجود التجلّي الحقيقي كما قال : « لو ظهرت صفاته اضمحلت مكوّناته » بل لم يكن هناك بصر ولا إبصار ولا مبصر ، كما جاء في الحديث : « حجابه النار » وفي رواية « النور » لو كشف عنها لأحرقت سبحات وجهه كلّ شيء أدركه بصره » « 3 » . أظهر كلّ شيء لأنه الباطن ، وطوى وجود كل شيء ؛ لأنه الظاهر . من أسمائه تعالى : الظاهر ، والباطن ، فاسمه الظاهر يقتضي بطون كل شيء حتى لا ظاهر معه فينطوي حينئذ وجود كل شيء ، واسمه الباطن يقتضي ظهور كلّ شيء حتى لا باطن معه ، فيظهر إذ ذاك وجود كل شيء ، فالحق تعالى هو الموجود بكل اعتبار والحمد للّه . أباح لك أن تنظر ما في المكونات ، وما أذن لك أن تقف مع ذوات المكونات قل انظروا ماذا في السماوات والأرض ولم يقل انظروا السماوات والأرض . فتح لك باب

--> ( 1 ) الكوة : خرق في الجدار يدخل منه الهواء والضوء ( ج ) كوى . ( 2 ) الزئير : صوت الأسد . ( 3 ) أخرجه أبو عوانة في ( المسند 1 / 146 ) ، والعلي الغفار في ( مختصر العلو تحقيق الألباني 86 ) .